الصوفية… الشعر.. العشق… والنضال..! -٢-

الصوفية.. نظرة في التاريخ..

البيانات التاريخية عادة ما تكون جافة كحبات القمح.. لكنها أيضا مفيدة مثله…
ماذا يقول التاريخ عن أصل كلمة الصوفية..؟؟
ينقسم المستشرقون وغيرهم في أصل الصوفية إلى ثلاثة مذاهب:
1- أن أصلها من كلمة Sophia اليونانية.. وقد أثبت نولدكه وغيره خطأ هذا المذهب.. لأنه -بدون استطراد في التفاصيل- يخالف قواعد تحوير الألفاظ الأعجمية في لسان العربية..
2- أن أصلها من لبس الصوف.. وهو افتراض يكذبه التاريخ لعدة أسباب:
– هناك كثير من الزهاد والتابعين والصحابة أيضا قد اشتهروا بلبس الصوف.. بالرغم من ذلك لم ينعتهم أحد بالصوفية.. منهم مثلا سالم بن عمر بن الخطاب..
– مصطلح الصوفية كان معروفا في زمن التابعين.. وقد ذكر الحسن البصري حوارا دار بينه وبين أحد الصوفية في الطواف..
وهذا الجزء الأخير يستدعي وقفة بسيطة.. فالحسن البصري عرف أن من أمامه هو صوفي بمجرد أن رآه.. وأراد أن يعطيه مالا فرفض.. ليس المهم إنه رفض لكن المهم كيف عرفه بمجرد رؤيته..؟
الإجابة من ملابسه.. فقد عرف الصوفية بلبسهم للمرقعات.. واشتهر عنهم ذلك وقالوا فيه الشعر.. ولعل كلكم يذكر جدلية الخرقة عند حلاج صلاح عبد الصبور والصراع النفسي الذي خاضه من أجل خلعها.. لكني وعدت نفسي ألا أرجع إلى صلاح عبد الصبور وسأتظاهر مؤقتا بأنه لم يكتب حاجة اسمها مأساة الحلاج..
ما علينا.. يقول الشبلي:
إذا طالبوني بعلمِ الورق

برزت عليهم بعلم الخرق..!

وهنا وقفة أخرى..
ما هو علم الخرق..؟
كان الصوفية يرون في الخرقة شعارا وعـَلــَما… فنسبوا إليها العلم الذي اكتسبوه عندما سلكوا الطريق ولبسوا الخرقة…
هو علم لدنــَي.. من لدن الله عز وجل لا يطلب في الورق لأنه غير موجود في الورق أصلا.. بل يدرك بالعبادة، بالانقطاع، بالحب، بالتفكر العميق.. وأذا بلغه السالك استغنى عن كل علم آخر..
استفت قلبك..
من الأجدر بطلب العلم منه..؟ كتب أهل العلم أم خالق العلم..؟
لنعد إذن إلى موضوعنا..
لا Sophia ولا الصوف.. من أين أتت الكلمة إذن..؟
والجواب إنها جاءت من الصُفــَّة وهي مكان معرش – أي له حوائط وسقف من جريد – معروف في المسجد النبوي كان معدا لنـزول الغرباء العزاب من المهاجرين والوافدين الذين لامأوى لهم ولا أهل.. وكان صلى الله عليه وسلم يجالسهم ويؤانسهم ويدعوهم إلى طعامه وشرابه، وكان الموسر من الصحابة يأخذ الواحد منهم والاثنين والثلاثة فيطعمهم في بيته،وكان أهل البساتين يأتون بأقناء الرطب فيعلقونها في سقف الصفة ليأكلوا منها..
وكانوا منقطعين للعبادة.. ومنهم كان أبو هريرة وأبو الدرداء.. وفيهم نزل قوله تعالى:{ للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لايستطيعون ضرباً في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لايسألون الناس إلحافاً وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم } (البقرة 273)
واعترض المعترضون بأن النسبة إلى الصفة هي صفي بالتشديد لا صوفي.. وهو اعتراض يكذبه ثقل اللفظ ذاته.. فاللغة العربية تكره الثقل.. لهذا فعلت في “صفي” ما فعلته في قٍرَّاط بتحويلها إلى قيراط.. ودِنـَّار وبتحويلها إلى دينار.. إنها المخالفة الصوتية كما ذكرها سيبويه في الكتاب.. والأزهري في التهذيب..

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s