الصوفية… الشعر.. العشق… والنضال..! -٥-

أسطورة الحلول والاتحاد.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: جعل الله الرحمة مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا وأنزل في الأرض جزءاً واحدا فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه.. “رواه البخاري”

وهو قول ينبغي علينا التفكر فيه…

فالله لم يخبرنا بكل شيء، كلنا يعرف هذا..! ويطلق على ما لم يخبرنا به اسم “غيب”..

ومن الغيب ما اختص به الله بعض عباده.. ومن الغيب ما اختص به نفسه ولم يعلمه مخلوق.. كميقات القيامة مثلا…

وهناك ما لم يخبرنا به لكنه في نفس الوقت ليس غيبا..! ثم أمرنا بالتأمل والتفكر في ملكوت السماوات والأرض لكي ندركه..

فليست الرحمة هي الوحيدة من صفات الله التي قسمها بينه وبين عباده.. فنحن نجد الله بصفاته (نقول بصفاته لا بذاته و”من غير تشبيه ولا تمثيل” كما يردد ابن عربي بلا ملل.. غالبا لعلمه أي عقلية يخاطب..!!) في كل شيء.. نجد الجمال، والجبروت، والعزة، والكرم، والنفع، والضرر،…. قد فرقت بين الخلائق.. ونستطيع أن نقول دون أن نتهم بالتجديف أنها قد فرقت بنفس النسبة.. تسعة وتسعين جزءا لله وجزءا واحدا قد نزل في الأرض..

اسمع لقول ابن عربي:

– ” الله لا يُحب في الموجودات غيره.. فهو الظاهر في كل محبوب لعين كل محب، وما في الموجود إلا المحب.. فالعالم كله محب ومحبوب، وكل ذلك راجع إليه.. كما أنه لم يعبد سواه.. فإنه ما عبد من عبد إلا بتخيل الإلوهية فيه ولولاها ما عبد..! يقول تعالى ” وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه “.

وكذلك الحب ما أحب أحد غير خالقه، ولكن احتجب عنه تعالى بحب زينب وسعاد وهند وليلى والدينار والدرهم والجاه وكل محبوب في العالم.. فأفنت الشعراء كلامها في الموجودات وهم لا يعلمون..! والعارفون لم يسمعوا شعراً ولا لغزاً ولا مديحاً ولا تغزلاً إلا فيه من خلف حجاب الصور.. وسبب ذلك الغيرة الإلهية أن يحب سواه؛ فإن الحب سببه الجمال وهو له (أي لله) لأن الجمال محبوب لذاته والله جميل يحب الجمال فيحب نفسه وسببه الآخر الإحسان وما ثم إحسان إلا من الله ولا محسن إلا الله فإن أحببت للإحسان فما أحببت إلا الله فإنه المحسن وإن أحببت للجمال فما أحببت إلا الله تعالى فإنه الجميل فعلى كل وجه ما متعلق المحبة إلا الله”

فالعارفون لما أحبوا خالق الأكوان لم يروا غيره فيها.. ورأوا الموجودات مرايا تنعكس عليها الأسماء والصفات الإلهية…

والمحجوبون (الذين لا يعيشون بقلوبهم..!) إن رأوا رحمة فلان ينسبونها إليه.. بينما العارفون ينسبونها إلى الله.. فهي من ذلك الجزء الذي أنزله الله في الأرض..

النبي نفسه فعل ذلك..

قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي فإذا امرأة من السبي تبتغي إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:” أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار..؟” قلنا لا والله وهي تقدر على أن لا تطرحه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لله أرحم بعباده من هذه بولدها ”

رأى صلى الله عليه وسلم هذا الموقف بعين قلبه.. تلك العين التي تراقب الله أينما نظرت..

هذا هو الحلول.. حلول الصفات لا الذات.. واتحاد الموجودات في الله لا اتحاد الله في الموجودات.. صفات مشتركة لله كمالها وللناس نقصانها.. وما الكون كله إلا عرض مستمر لصفات الله…

فإذا كان الصوفية يرون أن لا موجود بحق إلا الله.. فيصير إذن كل ما يتهمون به من الحلول والاتحاد فرية لا دليل عليها.. ففي من يحل الله أو بمن يتحد إذا لم يكن هناك موجود حقيقي غيره…؟؟

نحن لا نرجح كلامهم أو ننفيه إذ لربما ثبت لنا صحته بعد إعمال العقل.. لكن لا يعقل ممن يؤمن بهذا أن يؤمن بذاك في نفس الوقت…

وعلى كل وجه.. يمتنع إيمان أي مسلم عامة والصوفية خاصة بفكرة الحلول والاتحادبمفهومها الوثني القائل بتجسد الله في المخلوقات أو فناء ذات المخلوق في ذات الخالق.. كما يشيع بعض المغرضين.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s