..ربما تنبه أحد الأغبياء..!

إلى الشيخ الأكبر.. تحية.
تحية تليق بمن أعطى الإسلامَ عمره حيا..
تحية تليق بمن تصدق بعرضه ميتا.. فقال: “اللهم أني قد تصدقت بعرضي ودمي ومالي على عبادك فلا أطالبهم بشيء من ذلك لا في الدنيا ولا في الآخرة وأنت الشاهد علي بذلك”..
إلى الإمام الذي برأه فقهاء أهل زمانه والأزمنة التالية إلى زمننا هذا مما ألصقه به المغرضون من تهم باطلة..
أقدم هذه “التنبيهة” البسيطة من دار الإفتاء المصرية.. فقط إلى أن أفرد دراسة شاملة عن هذا الأمر..

الرقـم المسلسل 5614
الموضوع تكفير ابن عربي
التاريخ 12/04/2005
الســــؤال
اطلعنا على الطلب المقيد برقم 987 لسنة 2005م المتضمن صورة ضوئية لمقدمة كتاب ” كشف الخفاء ومزيل الإلباس ” للإمام العجلوني ، يقول فيها محقق الكتاب في بعض تعليقاته عليه : إنه حذف من متن الكتاب (وهذا في حد ذاته جريمة وتدليس وبهتان.. الناقل) في أحد المواضع وَصْفَ مؤلف الكتاب لصاحب ” الفتوحات المكية ” بأنه ” الشيخ الأكبر ، قدَّس الله سره الأَنْوَر ” ؛ وقد فعل ذلك – كما يقول – لإجماع محققي أهل السنة على تكفير ابن عربي صاحب الفتوحات هذا – على حد قوله –، ويذكر أنه أثبت ذلك في الهامش للأمانة العلمية .
ويسأل مقدم الطلب عن صحة هذا الكلام من بطلانه .
[SIZE=6COLOR=darkred]الـجـــواب[/color][/size]
أمانة الفتوى
يجب على المسلم أن يحذر من المجازفة في التكفير حتى لا يقع تحت طائلة الوعيد المذكور في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « لاَ يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلاً بِالْفِسْقِ وَلاَ يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ إِلاَّ ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ » رواه البخاري من حديث أبي ذر رضي الله عنه ، وقوله عليه الصلاة والسلام : « إِذَا كَفَّرَ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا » رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما .
ويجب على طلبة العلم أن ينأوا بأنفسهم عن مناهج التكفير وتيارات التبديع والتفسيق والتضليل التي انتشرت بين المتعالمين في هذا الزمان ، وأن يلتزموا بحسن الأدب مع الأكابر من علماء الأمة وصالحيها ؛ فإن لحوم العلماء مسمومة ، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة ، ومن أطلق لسانه فيهم بالثَّلْب ابتلاه الله قبل موته بموت القلب ، والوقيعة في أولياء الرحمن من علامات الخذلان ، وفاعل ذلك متعرِّض لحرب الملك الديّان ، كما جاء في الحديث القدسـي : « مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ » رواه البخـاري من حـديث أبي هريرة رضي الله عنه .
ومن المعلوم أن إحسان الظن بالمسلمين واجب ، فكيف بأولياء الله الصالحين ! ولمّا حكى الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه ” بستان العارفين ” عن الشيخ أبي الخير التيناني [ ت 343 هـ ] حكاية ظاهرها الإنكار قال : ” قلت : قد يتوهم من يتشبه بالفقهاء ولا فقه عنده أنه يُنْكَر على أبي الخير هذا ، وهذه جهالة وغباوة ممن يتوهم ذلك ، وجسارة منه على إرسال الظنون في أفعال أولياء الرحمن ! فليحذر العاقل التوخي لشيء من ذلك ، بل حقُّه إذا لم يفهم حِكَمَهُم المُستفادة ولطائفهم المُسْتَجادَة أن يتفهمها ممن يعرفها . وكل شيء رأيتَه من هذا النوع مما يتوهم من لا تحقيق عنده أنه مخالف – ليس مخالفًا ؛ بل يجب تأويل أقوال أولياء الله تعالى” ا هـ .
والحاصل أن الإمام أبا بكر محيي الدين محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الحاتمي الطائي الأندلسي الظاهري ، والمعروف بالإمام محيي الدين بن العربي ، والمُلَقَّب عند السادة الصوفية وغيرهم بلقب ” الشيخ الأكبر” و “سلطان العارفين ” و “خاتم الأولياء” ، المولود يوم الاثنين السابع عشر من رمضان سنة 560 هـ بمرسية بالأندلس ، والمتوفى بدمشق سنة 638 هـ ، هو أحد الأئمة الأعلام والورثة المحمديين الذين جمع الله لهم بين سموّ شرف العلم وعلوّ درجة الولاية ، وهو من كبار أهل الله تعالى ، وكان فقيهًا على مذهب الإمام داود الظاهري ، وعقيدته هي عقيدة الأشاعرةِ أهلِ السنة والجماعة ، وقد ذكرها في أول ” الفتوحات المكية “، وذكر الإمام الصفدي في ترجمة الشيخ محي الدين بن عربي من “الوافي بالوفيات” عن نفسه أنه أفردها في كراسة وكتب عليها :
ليس في هذه العقيدة شيء … يقتضيه التكذيبُ والبهتانُ لا ولا الذي خالف العقل والنقــل الذي قد أتى به القرآنُ وعليها للأشعـريِّ مدارٌ … ولهـا في مقاله إِمكانُ .
إلا أنه قد وقع في عرضه بعض من ينتسب للعلم، في حياته وبعد وفاته،فكان يخاطبهم في حيـاته بقـوله”والله الموعد”، ثم قَيَّض الله لـه بعد وفاته في كل عصـر مِنْ أهل العلم مَنْ يُنافح عنه ضِدَّ مَنْ يقع فيه رضي الله عنه؛مصداقًا لقوله تعالى :{إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} (الحج 38) ،
فكان ممن تحـركت همتُه لذلك العلامةُ مجد الدين الفيروزابادي صاحب ” القاموس المحيط ” [ ت 817 هـ ] ؛ فألف كتابًا يرد فيه على ابن الخياط ما اتَّهم به الشيخ ابن العربي في عقيدته وسماه ” الاغتباط بمعالجة ابن الخياط ” ،
وانبرى للدفاع عنه أيضًا الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى [ ت 911 هـ ] ؛ فألف رسالته ” تنبيه الغبي ، في تبرئة ابن عربي ” ، وذكر فيها نصوص العلماء في الثناء على الإمام محيي الدين ابن العربي ، ومما ذكره في ذلك قول شيخ الإسلام شرف الدين المناوي [ ت 871 هـ ] : ” والمتصدِّي لتكفير ابن عربي لم يخف من سوء الحساب وأن يُقال له : هل ثبت عندك أنه كافر ؟!

فإن قال : كتبه تدل على كفره ، أفَأَمِنَ أن يُقال له : هل ثبت عندك بالطريق المقبول في نقل الأخبار أنه قال هذه الكلمة بعينها ، وأنه قصد بها معناها المتعارَف ؟! والأول : لا سبيل إليه ؛ لعدم سند يُعْتَمَدُ عليه في مثل ذلك ، ولا عبرة بالاستفاضة ؛ لأنه على تقدير ثبوت أصل الكتاب عنه فلا بد من ثبوت كـل كلمة كلمة ؛ لاحتمال أن يُدَسَّ في الكتاب ما ليس من كلامه من عدو أو ملحد ” ا هـ .
وكذلك فعل الشيخ عبد الوهاب الشعراني ؛ حيث أفرد في كتابه ” اليواقيت والجواهر ” مبحثًا خاصًّا ينفي فيه عن الإمام ابن العربي ما ألصقه به خصومه من دعوى الحلول والاتحاد ؛ مستشهِدًا على براءته بكـلامه هو في ” الفتوحات ” وغيرها .

كما نافح عنه كثير ممن ترجم له ؛ كالعلامة الشيخ محمد عبد الرؤوف المناوي [ ت 1031 هـ ] الذي يقول فيه : ” والـذي أعتقـده ولا يصـح غيره : أن الإمام ابن عربي وليٌّ صالح ، وعالم ناصح ، وإنما فوَّق إليه سهام الملامة ، من لم يفهم كلامه ، على أنه دُسَّتْ في كتبه مقالاتٌ قدرُه يجل عنها ” اهـ .
وترجَمَهُ الشيخ ابن العماد الحنبلي [ ت 1089 هـ ] في ” شذرات الذهب ” ترجمةً ضافيةً ؛ مبينًا المنهج الصحيح الذي ينبغي سلوكه في الأدب مع أولياء الله تعالى بحمل ما ينسب إليهم من عبارات موهمة على محامل حسنة ؛ حيث يقول : ” وقع له في تضاعيف كتبه كلمات كثيرة أشكلت ظواهرها ، وكانت سببًا لإعراض كثيرين ممن لم يحسنوا الظن به ، ولم يقولوا كما قال غيرهم من الجهابذة المحققين والعلماء العاملين والأئمة الوارثين : إن ما أوهمته تلك الظواهر ليس هو المراد ، وإنما المراد أمور اصطلح عليها متأخرو أهل الطريق ؛ غَيْرةً عليها حتى لا يدعيَها الكذابون ، فاصطلحوا على الكناية عنها بتلك الألفاظ الموهمة خلافَ المراد غير مبالين بذلك ؛ لأنه لا يمكن التعبير عنها بغيرها ” اهـ .
وقد أثنى على الشيخ الأكبر جماعة من أعيان العلماء وكبار المجتهدين ونعتوه بغزارة العلم وعلو درجة الولاية منهم : الإمام مجد الدين الفيروزابادي صاحب ” القاموس المحيط ” ، وسراج الدين المخزومي ، وكمال الدين ابن الزملكاني ، وقطب الدين الحموي ، وصلاح الدين الصـفدي ، وشهاب الدين عمر السهروردي ، وقطب الدين الشيرازي ، ومؤيد الدين الخجندي ، والإمام النووي ، والإمام فخر الدين الرازي ، واليافعي ، وبدر الدين بن جماعة ، وسراج الدين البُلقيني ، وتقي الدين السبكي ، والحافظ السيوطي ، وابن كمال باشا ، وغيرهم كثير .
وقـد كان الإمام المجتهد شيخ الإسلام العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى [ ت 660 هـ ] ينكر على الشيخ ابن العربي في أول أمره ، فلما عرف مقامه شهد له ورجع عن إنكاره ، وقرر أن الإمام محيي الدين قطب زمانه .
وبالجملة ؛ فإن الكلام المسوق في السؤال كلام ملقًى على عواهنه ؛ لا زِمام له ولا خِطام ، بل المحققون المنصفون من أهل السنة متفقون على جلالة الإمام محيي الدين بن العربي رضي الله عنه في سائر العلوم وعُلُوِّ كَعْبه في الولاية ، وما أنكر عليه مَنْ أنكر إلا لدقة كلامه لا غير ؛ فأنكروا على من يطالع كتبه من غير أن يسلك طريق القوم خوفًا عليه من أن يعتقد شيئًا لا يقصده الشيخ رحمه الله تعالى .
فعلى المسلم أن لا يُعَرِّض نفسه لغضب الله تعالى بالوقيعة في أوليائه الصالحين ؛ ولْيحذر امرؤٌ لنفسه ، وكل امرئٍ حسيبُ نفسِه .
والله سبحانه وتعالى أعلم.
تمت الإجابة بتاريخ 15/5/2005

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s