الفصل الثالث: فيما جرى لفوزي النجار..


تناولت شفتيه تلتهمها كأنها تأكل الشيكولاتة لأول مرة في حياتها..
هو لا يعرف كيف تعرفت إليه بهذه السرعة في أقل من يومين.. ثم ها هي على فراشه..!
“عندك عمل مرشوش على جسمك كله لازم امسحه بنفسي..!”
لا يدري لماذا ذكرته الطريقة التي تتعامل بها مع جسده بتلك الجملة من “ألبيضة والحجر”.. الشيء الممتع فعلا ان فوزي -وهو من هو في علاقته بالنساء- لم يصادف من هي في مثل خبرة هذه الفتاة بالجنس إلا مرة أو اثنتين..
– أكتر.. أكتر يا بيبي..
أهكذا..؟ استعدي إذن للإعصار المدمر يا اسمك ايه…
– يا نهار أبوكي اسود..!!
ابعدها عنه بعنف وهب جالسا فجأة..
– يا نهار أبوكي اسود..!!!
انسحبت إلى ركن السرير مذعورة.. وكل شعرة في كيانها ترتجف بفعل هذا التعبير المرعب على وجهه..
– قومي يا بنت الكلب.. ادخلي الحمام واستحمي يا بنت الوسخة…!
وقف فجأة على الأرض وركلها بقدمه لتسقط من على السرير ليضفي المزيد من المصداقية على ما يقول.. قامت الخبيرة سابقا المذعورة حاليا مسرعة -وعارية أيضا- إلى الحمام.. أخذ ملابسها الداخلية إلى الغسالة الأوتوماتيك ليغسلها في بضع دقائق خرجت هند خلالها من الحمام..
– ح انشف لك هدومك قدام المروحة.. تاخديها وما اشوفش وش اللي جابتك تاني…
– فوزي..
لو كانت تعرف أن تلك الكلمة تكفي لتشغيل ذراع كعمود النور ليهوي بصفعة على وجهها كادت أن تمزقه لما قالتها أبدا..
– عايزة تقرطسي فوزي النجار يا بنت الكلب.. لولا ان البيت حواليه جيران والله ما كنت اروحك بيتكوا إلا عريانة على عملتك السودة دي…
أنا محتاج الراوي.. محتاجه دلوقت حالا…
لم أشعر بالإهانة في حياتي مطلقا كما شعرت بها هذه الليلة.. بل إني لم أشعر في حياتي بالإهانة أصلا إلا الليلة..!
المشكلة ان هذه الحيوانة لم تهني إهانة واحدة بل عدة إهانات مركبة.. أهانت ذكائي ورجولتي وثقتي في نفسي وثقتي في معرفتي بالحريم وقدرتي على فرز.. – ها هي تجري كالكلبة على رصيف الشارع.. خدي جزمتك يا بنت الجزمة..!- ..على فرز الناس من أول نظرة فإن لم أستطع فمن ثاني نظرة وهذا أضعف ما عندي.. لم أكترث كثيرا للأنوار التي بدأت ترتعش والرؤوس التي بدأت تطل من الشبابيك والبلكونات على صوت زعيقي وصوت ارتطام الجزمة التي قذفتها برأس تلك العاهرة.. لا يهمني كثيرا فهم يعرفون كيف أعيش وهم ليسوا أفضل حالا..
– أيوه يا حسين.. انا ف الحرية بعد نص ساعة.. لأ تنزل حالا ما تستهبلش.. آخر وقت استهبال في الدنيا هو دلوقت..
الدوار الذي في رأسي يمنح تلك التشكيلات العجيبة للضوء في شوارع وسط البلد في الثانية صباحا مزيد من التنوع.. والفراغات والمساحات.. لم يكن تأثير البيرة ولا الصدمة قد زالا بعد..
ثم ها هو مكاني الأثير في ميدان الفلكي.. طلبت قهوة سادة.. حسين لم يطلب شيئا وإنما كان يتفحصني كأنه لم يرني من قبل..
– عارف اني عمري ما طلبت قهوة هنا.. عايز أفوق يا حسين مش عايز اسكر..
الطريقة المفضلة لدى حسين لانتزاع اعترافاتي هي البقاء صامتا مع تثبيت النظرات.. دائما ما تشعرني تلك الطريقة أن كل شيء في الدنيا حاضر ومرئي حتى أنه لو مر شيطان بيني وبينه لرأيته..
– كنت كلمتك أنا عن هند اللي اتعرفت عليها ف رحلة الجامعة.. كانت عاملة لي تربنة في دماغي.. تليفوناتها ما وقفتش من ساعة ما رجعنا.. عليها أنوثة ودلع كأن بقالها عشر سنين بتعرف رجالة.. المهم راحت لي الشغل وعملت لي قلبان.. فضلت تحكي لي عن الشبان الفرافير اللي عرفتهم وانها ما لقتش فيهم حد زيي.. ولأن الكلام ده يشعلل أي إنسان محترم فأنا كإنسان محترم اتشعللت..! والليلة اكتشفت واحنا مع بعض انها..
جاهدت في هذا الجزء للسيطرة على انفعال يجتاحني..
– إنها بكر…
…لكن انفجاري في البكاء أعلن فشلي..!!

الفصل الثاني: فيما جرى لمكبوت السادس عشر


الأوراق التي كان مكبوت يقلب فيها صباح مساء، كانت أوراقا بيضاء.. وعلى كل حال فهو لم يكن يبحث عن شيء يقرأه بل شيء يكتبه.. وهو يقلب بين الأوراق البيضاء لتعذر امكانية أن يقلب في رأسه بنفس الكيفية… ثم -كالعادة- يأس.. عموما “تامر وشوقية” في التلفزيون يبدوان أكثر جاذبية من الكتابة..
– طب والمذاكرة يا بني..؟
– أنا بذاكر يا بابا..
– انت عندك ثانوية عامة..
– عارف اني خلصت إعدادية يا بابا..
– ربنا يوفقك يا بني..
ممكن أخد الراوي..؟ شكرا…
لم أكن أعرف من أين أتى أبي بالجرأة الكافية على هذا “الزن” صباح مساء على كل شيء.. كأنه -مثلا- لم يكفيه أنه اسمى ولده الوحيد مكبوت في نفس الوقت الذي اسمه فيه مكبوت واسمه أبيه أيضا مكبوت فصار مكبوت بن مكبوت بن مكبوت..!!! أو مكبوت مكبوت مكبوت لا فرق.. ولك أن تتخيل كم “ياااااا ولدي” ممطوطة ملحنة سمعتها وأسمعها في كل مرة أقول فيها اسمي الثلاثي…
لمن لا يعرفني -وان كان هذا نادرا.. فلا يمكن أن تكون درست في جامعة القاهرة دون أن تسمع عن مكبوت مكبوت مكبوت…!- انا واحد عرف طريق الصياعة مبكرا.. منذ الثانوية وربما قبلها وأنا أدخن وأرتاد القهاوي وأرشو فراش المدرسة من أجل ماتش كرة في فنائها..! أما الباشا مكبوت مكبوت مخنوق -وهذا اسم أبي الثلاثي..!!!- فلم يكن متفرغا لي أو مهتما بي أصلا.. وأنا لم أفهم ذلك أبدا.. موظف في السجل المدني لا يجد وقتا لابنه الوحيد سواء اثناء العمل أو بعد إحالته للمعاش..؟!
سيب الراوي لو سمحت.. عرفت مكبوت وهو بين الماء والطين.. آه والله العظيم..!! ألا تصدقينني..؟ كنا في رحلة الكلية إلى القناطر .. وتصادف ان كليته كانت هناك في نفس اليوم.. وجد الشباب بعضهم وتعرفوا بعضهم و -كالعادة- اشتبكوا في معركة.. هناك رأيته وهو يضرب احد زملائي اثناء المعركة وكليهما في بركة ماء موحلة..!
– بتقول اسمك ايه…؟؟
– يادي النيلة على اسمي.. هو اللي سمعتيه.. واسم جدي الكبير مخنوق.. وهناك سلسلة أخرى من المكابيت والمخانيق تمتد يمكن للعصر الإغريقي…!
بمناسبة العصر الإغريقي. هل أخبرتك انه وسيم مثل براد بيت في Troy..؟ تخيلي هذا الشكل على واحد مصري…

الفصل الأول: اللحظات الأخيرة لمكبوت الخامس عشر..


لماذا أحتاج أن أبدأ بمقدمة لحياة تنتهي بالفعل..؟!
بلا مقدمات بلا هبل.. الأجدر بإنسان في مثل ظروفي أن يفكر.. كيف سيعيش ابنه المسكين الذي -يا ضنايا يا بني- لم يعرف من الحياة ولا من المدَهول -سمعت انها كلمة فرعونية.. أليس كذلك..؟!- أبيه الذي هو أنا طبعا.. دششش..!! ها هو كوب ماء آخر ينكسر.. والدورق اهتز بعنف لكنه لم يسقط.. مش مشكلة.. أنتظر مكبوت ليسقيني عندما يعود هذا إذا لحقني أصلا..
أين ذلك الوزير الاهبل..؟
– نعم يا مولاي..؟
– هو البعيد ما عندوش دم خالص..؟ مش شايفني باموت..؟
– طب وإيه المطلوب مني ف حالة زي دي..؟
– يعني إيه إيه المطلوب منك..؟
– يعني اللي سمعته يا مولاي..! جلالتك بتموت.. انت عارف ده وانا كمان عارفه يبقى إيه المطلوب مني..؟ أمنع موتك ولا أكتم على نفسك تعجيلا بموتك..؟!
– يا أخي ما حدش طلب منك ده ولا ده.. لكن على الأقل ناولني كباية ميه..
– آسف جدا.. أناولك ميه يعني أمسك دورق مادي واصبه في كباية مادية وانا مش مادي زي ما انت عارف..
– عليا النعمة انت وزير فالصو.. غور من وشي…
– آسف برضه.. ولا ده كمان..! زمان الأمير مكبوت راجع لك بالدوا وغالبا ح يلاقيك ميت.. تقدر تقول لي بقه مين اللي ح يسلمه العرش..؟
شردت قليلا.. هل يجب أن يرث ابني من بعدي ذلك العرش المنيل بستين نيلة التي توارثته عائلتنا صاغرا عن صاغر..؟ – لأ سيادتك ما فيش ولا كابر في العيلة..!!- هل يجب أن يتعامل مع نفس الوزير الغلس ونفس الحاشية المقرفة ونفس الشعب النكدي..؟! لا.. إنني لأرحم بابني من ذلك.. ولست مستعدا لأن يخوض فيما خضت فيه…
– ما تستهبلش جلالتك.. اللي انت بتفكر فيه ده يعرض المملكة كلها للدمار.. يلغي وجودها أصلا..!
تصبح المشكلة همّا عندما لا تستطيع حتى إخفاء أفكارك عن شخص لا تريده أن يعرفها.. لكني أشعر بدنو الأجل وعلى ذلك لا أستطيع الاستمرار في مهمة الرواية..!
زحف مكبوت الخامس عشر إلى الجهة الأخرى من فراشه.. تلك التي يوجد بها الورقة والقلم.. تناول القلم ثم كتب وهو لا يرى ما يكتبه:
ولدي العزيز..
تحية طيبة.. و..
..وسقط ميتا..!