مدد يا رسول الله


مولد الحبيب

مولد الحبيب

يوم مولدك يا رسول الله… النور في مكة انتشر
فرّح قلوب كل العباد… فرّح قلوب كل البشر

سيدي الإمام الجازولي رضي الله عنه وأرضاه

Advertisements

..ربما تنبه أحد الأغبياء..!


إلى الشيخ الأكبر.. تحية.
تحية تليق بمن أعطى الإسلامَ عمره حيا..
تحية تليق بمن تصدق بعرضه ميتا.. فقال: “اللهم أني قد تصدقت بعرضي ودمي ومالي على عبادك فلا أطالبهم بشيء من ذلك لا في الدنيا ولا في الآخرة وأنت الشاهد علي بذلك”.. استمر في القراءة

في الدفاع عن التصوف.. مقال من موقع الجازولية


:معنى التصوف

لعل أبلغ تعريف للتصوف هو ما وضعه العارف بالله سيدي جابر الجازولي رضي الله عنه مؤسس الطريقة الجازولية ” التصوف تهذيب النفس ، وتدريبها علي الأخلاق السليمة ، وردها لأحكام الشريعة ”

اذا ف التصوف عنوان التمسك بالكتاب والسنة، وتهذيب النفس، وتزكيتها، والسمو الخلقي، والارتفاع عن الملذات، وترك الدنيا، والاعتماد على الله، والالتجاء إليه، والصبر والرضا على قضاءه. هذا هو تصوفنا، فهل هذا شرعي أم لا؟

ويقول البعض أن التصوف كتسمية لم يكن معروفا إلا بعد القرون الثلاثة الأولي ولكن المتابع له تاريخيا يعرف أن اسم الصوفية كان موجودا علي عهد التابعين وفي النصف الأول من القرن الثاني الهجري ، إذ ثبت عن الأمام الحسن البصري – الملقب بسيد التابعين والمتوفى سنة 110 هجرية عن ثمان وثمانين سنة قال “رأيت صوفيا في الطواف فأعطيته شيئا فلم يأخذه وقال معي أربعة دوانيق فيكفيني مامعي ”

وهذا الإمام سفيان الثوري – الملقب بأمير المؤمنين في الحديث والذي قال عنه الأمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه –أنه قال ” لولا أبو هاشم الصوفي ما عرفت دقيق الرياء”

ويسأل البعض ” لماذا لم يطلق لقب الصوفية علي صحابة النبي أو التابعين ؟”

والإجابة أن الصحابة رضوان الله عليهم قد حازوا بصحبتهم لسيدنا محمد صلي الله عليه وسلم أعظم تسمية ولقبوا بالصحابة .

ثم جاء بعدهم التابعون ورأوا تبعيتهم لهم أشرف تسمية فلقبوا ” بالتابعين ”

الي أن قامت البدع في نهاية المائة الأولي من الهجرة فقامت طائفة لحفظ مقام الإسلام وضبط قواعده وفروعه كأئمة الفقه الأربعة وتسموا بالفقهاء ،

وطائفة لحفظ مقام الأيمان وضبط قواعده وفروعه كالإمامين الأشعري والماتريدي وتسموا بأهل الأصول وعلماء العقائد والمتكلمين ،

وطائفة لحفظ مقام الإحسان وضبط أعماله وسلوكياته كالإمام الجنيد والإمام المحاسبي وغيرهما وتسموا بالصوفية وهي تسمية اصطلاحية لها العديد منالمترادفات والبدائل القرآنية والحديثية كالأولياء والإحسان والتزكية

إذا فالدعوة إلى طرح اسم التصوف بحجة أنه لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين يجب أيضاً أن يرافقها دعوة أخرى إلى طرح اسم الفقه وأصول الفقه وعلم الرواية في الحديث وعلم الرواية وهو ما يسمى بمصطلح الحديث وعلم الفرائض وعلم التوحيد والعقيدة للحجة نفسها، ذلك أن هذه المسميات لم تكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا السلف الصالح، بل دعوة إلى الفوضى في الفقه بعد أن أنعم الله تعالى على هذه الأمة بعلماء نظموا الأحكام ورتبوها وفق أبواب وفصول وصاغوها وضبطوها بعلوم اصطلحوا عليها أسماء وكان لهم في هذا الترتيب والتنسيق طرق متعددة ومذاهب مختلفة،

؟وماذا عن اللغة الخاصة والمصطلحات المتداولة في التصوف والطريقة

يقول العارف بالله سيدي جابر الجازولي رضي الله عنه مؤسس الطريقة الجازولية ” لكل جماعة من الناس لغة خاصة يتعارفون بها بينهم وتدل علي هويتهم ”
ان علماء السلوك وهم الصوفية قدموا لنا فقها في السلوك له مصطلحا ته ولغته الخاصة وأصوله وكما أستنبط الفقهاء الأحكام من الكتاب والسنة في الصلاة والصيام والحج والزكاة وكذلك علماء التصوف استنبطوا أحكام التزكية ووسائل معالجة تربية النفس من الكتاب والسنة

و لو بحثت عن مرجعية وأصل المصطلحات الفقهية مصطلحات العقيدة ومصطلحات علم الحديث والنحو من الكتاب والسنة قد لا تجدها بحرفيتها ولكن تجد معناها كما أن الحديث لا يقبل ما لم يكن موثقا بسند إلى رسول الله ليكون مقبولا وملزما ..كذلك الطريقة الصوفية هي موثقة بسند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مأخوذة مشافهة جيلا من بعد جيل إلى رسول الله ..فلكي تكون مرتبطا بهذه السلسلة كان لابد من أخذ الطريقة من شخص مجاز بها

وهذا الإِمام الشعراني رحمه الله تعالى يتحدث عن إِكرام الله تعالى للصوفية الذين ساروا على نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من أمثال معاذ :رضي الله عنه فيقول

(اعلم يا أخي أن علم التصوف عبارة عن علم انقدح في قلوب الأولياء حين استنارت بالعمل بالكتاب والسنة، فكل من عمل بهما انقدح له من ذلك علوم وآداب وأسرار وحقائق، تعجز الألسنة عنها، نظير ما انقدح لعلماء الشريعة من أحكام، حين عملوا بما علموه من أحكامها) [“التصوف الإِسلامي والإِمام الشعراني لطه عبد الباقي سرور ص70].

إِن هذه أمور يكرم الله تعالى بها عباده المخلصين، وأحبابه الصادقين، ولا حجر على القدرة الإِلهية.

إِنما هي أذواق ومفاهيم، وكشوفات وفتوحات، منحهم الله إِياها، فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “العلم علمان: علم في القلب، وفي رواية: علم ثابت في القلب، فذلك العلم النافع. وعلم على اللسان، فذلك حجة الله على خلقه” [رواه الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخه بإِسناد حسن، ورواه ابن عبد البر النمري في كتاب العلم عن الحسن مرسلاً بإِسناد صحيح كما في الترغيب والترهيب ج1. ص67

ويدل على ذلك حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه، فقد أخرج أبو نعيم في الحلية عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن معاذ بن جبل دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “كيف أصبحتَ يا معاذ ؟”.قال: أصبحتُ مؤمناً بالله تعالى. قال: “إِن لكل قول مصداقاً، ولكل حق حقيقة، فما مصداق ما تقول ؟”. قال: يا نبي الله! ما أصبحت صباحاً قط إِلا ظننت أني لا أمسي، وما أمسيت مساء قط إِلا ظننت أني لا أصبح، ولا خطوت خطوة إِلا ظننت أني لا أتبعها أخرى، وكأني أنظر إِلى كل أمة جاثية تدعى إِلى كتابها، معها نبيها وأوثانها التي كانت تعبد من دون الله وكأني أنظر إِلى عقوبة أهل النار، وثواب أهل الجنة. قال: “عرفت فالزم” [أخرجه أبو نعيم في الحلية ج1. ص242].

فلم يصل الصالحون إِلى هذه الكشوفات والمعارف إِلا بتمسكهم بالكتاب والسنة، واقتفائهم أثر الرسول الأعظم وأصحابه الكرام، ومجاهدتهم لأنفسهم، من صيام وقيام، وزهدهم في هذه الدنيا الفانية، كما أكرم الله معاذاً رضي الله عنه بهذا الكشف الذي أقره عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: “عرفتَ فالزم”.

الصوفية… الشعر.. العشق… والنضال..! -٦-


البدع في الصوفية.. الطريق والطريقة وانحرافات السالكين وادعاءات المغرضين..!
*****

إذا كنت من المكفرين للصوفية فإنك في الأغلب ستتحدث عن “بدعة الصوفية”… أما إذا كنت فاهما للصوفية أو على الأقل واقفا على الحياد – مثلي – فسوف تتحدث عن “البدع في الصوفية”…

وهو ما سأجمله بالحديث هنا..

كم من البدع قد دخل الإسلام….

لحظة…! هذا سؤال..!!!

كم من البدع قد دخل الإسلام…؟

هل يمكنك أن تعد…؟

وحتى تنتهي من العد… دعنا نتحدث عن البدع التي دخلت الصوفية…

لاحظ أني لا أتحدث عن الصوفية باعتبارها منفصلة عن الدين.. فهي دين الدين نفسه فيما أرى… لكنها محاولة للفرز لا أكثر.. وذلك باعتبار أن من أدخلوا فيها البدع ينتمون للإسلام والصوفية في نفس الوقت…

هناك دائرة كبيرة اسمها الإسلام وتحدث فيها الكثير من البدع… وهناك بداخلها دائرة أصغر اسمها الصوفية.. تحدث فيها بدع أيضا..

لاحظ أيضا أني سأتناول تلك البدع بالحديث واقفا على أطراف أصابعي.. لكوني لا أمتلك خلفية دينية تسمح لي بالقول فيما هو من البدع وما هو ليس منها (وحتى لو كان عندي.. فلن أفعل..!! إذ هي مسئولية جسيمة؛ على من يعالجها في رأيي أن يكون متبحرا في الدين إلى حد يسمح له بالإفتاء.. والإفتاء بالنسبة لي مسئولية كمسئولية عمر “لو عثرت دابة في العراق لسئل عنها عمر…!”)
وأول قولنا :
إن الذي يتصور أخطاء للصوفية وينسبها إليهم من أناس ممن ينتسبون إلى لطرق الصوفية أو التي تدعي ذلك ليس معذورا.. بل هو معاقب لأنه لم يبحث عن الحقيقة من مصادرها الأصلية كما إنه أساء الظن بما لا يراه من المسلمين.. فالتصوف علاقة بين العبد وربه.. وينبغي – في صورتها الكاملة- ألا يعرف بها سواهما…

*****
الطريقة:
يعد فاروق شوشة أسماء الصوفية القدماء من ابن عربي وابن الفارض وآخرون ثم يقول: “الآن لم تعد هناك صوفية.. بل هناك طرق صوفية…! بقى الشكل وحده دون المضمون..!!”
هل هذا صحيح..؟
لننظر معا..
لن أدخل الفخ المغري بالحديث عن تاريخ الطرق الصوفية في الإسلام.. بل أقول أن الإسلام يتميز بالنزعة الجماعية.. بصلاة الجمعة وصلاة الجماعة.. في تعلم الدين ودروس العلم في المساحد.. حتى في الحكم يتميز بالشورى..
إذن فهي الجماعية في كل شيء.. لأن “يد الله مع الجماعة”..
الطريقة في الصوفية لم تكن أبدا “مذاهبا” أو “فرقا”.. هى فقط تجمعات تنسب إلى شخص معين لأن هذا الشخص المعين هو الذي أسسها.. وليس من المفروض أن يكون له مذهب في التصوف‘ لأنه ببساطة شديدة لا يوجد شيء في التصوف اسمه “مذاهب”..!
فالطريقة في أصلها تقسيم جغرافي لا تقسيم فكري…
ونرى في بعضها ما يطلق عليه البعض بدعا وهو ليس كذلك، ونرى ما هو بالفعل بدعا..
ربما يأخذ البعض عليهم بعض العادات كالرقص.. والطاعة المفرطة للشيخ وأحيانا الاعتقاد بعصمته.. وأشياء أخرى وردت عن بعض من ينتسب إليهم..
وأقول من ينتسب إليهم تجاوزا.. لأن الصوفية لم تكن أبدا مهنة تكتب في البطاقة.. أو زيا موحدا ترتيه جماعة ما.. أو مبنى معين كل من يسكنه يكون صوفيا..
بل هى كما قلت وأعيد علاقة بين العبد وربه.. ولعلى هنا استعيد هذا البيت:
ليس التصوف لبس الصوف ترقعه

ولا بكاءك إن غنى المغنونا

إن التصوف أن تصفو بلا كــــدر

وتحفظ الأخــــلاق والدينــا..!

*****
البدع:
ربما تكون بعض الأفعال التي تلاحظ على بعض الصوفية هي أفعال لا إرادية.. وأقول “ربما يكون” و “بعضها” فنحن لا نعلم ما تكون عليه حالته وقتها..
فأما بالنسبة للأذكار والأدعية..
فلا أعتقد أن هناك نصا ما في الدنيا قد حدد أدعية أو أذكارا بعينها.. وقال: لا تدعُ الله بغير هذه..!
فلهذا لن أتوقف عندها..
لكن أتوقف عند فكرة الأقطاب وطاعتهم المفرطة إلى درجة عصمتهم أو تأليههم.. فهذه هى البدعة بحق.. وقد دخلت الإسلام أيضا كما دخلت بعض الطرق الصوفية…
هي بدعة في الصوفية والإسلام -مرة أخرى تحاول اللغة أن تفرق بينهما!!- ويجب استئصالها من كليهما.. ولا نستطيع القول بأنها قد تمكنت من أحدهما، لأنه ولله الحمد لا يزال هناك من يحرص على أن تكون الأمور في نصابها.. ويكون الدين كله لله..
هاك هذا المثال:

روت قناة الجزيرة هذه الكلمات على لسان شيخ الطريقة الحقانية النقشبندية:

“الإسلام الحديث يحاول أن ينفي ضرورة اتباع إمام ملهم.. ولهذا فهو يدير ظهره للصوفية ويحاول أن ينكرها.

إن قبول إمام حقيقي يرشدك إلى ربك هو جوهر الإسلام، وإن شيوخ الطرق هم المرشدون الذين عينتهم السماء بعد أن تشربوا تعاليم الطرق التقليدية من الشيوخ الذين سبقوهم.. وصولا إلى النبي محمد.”
نستطيع أن نقول بالفعل أن هناك من العباد الربانيين من هو على اتصال حقيقي بالسماء.. وهناك صلة بينه وبين الله..
لكن هذه الصلة لا تتعدى إلى سواهما..!
لا يمكننا أبدا أن نقول أن فلانا قد “عينته السماء” لشيء ما.. لأن هذه تكون “النبوة” بعينها..!
ومن يدعي ذلك لا يمكن لأن يكون صوفيا.. أنا عن نفسي أدعوه “سياسيا” لأن في كلامه هذا إعادة صياغة لفكرة الحق الإلهي المقدس في أوروبا القديمة..
نقول أن الصوفية التي ترى الله في كل شيء حولها.. قدرته وخـَـلقه وصفاته لا يمكن أن يكون هذا طريقها…
بل طريقها الأخلاص في العبادة.. الرفق بالناس.. الإلتزام لا الإلزام..
ونجدة الوطن حين البأس… ومن ينسى كفاح السيد أحمد البدوي وصحبه ضد الصليبين نصرة للدين والوطن..؟
كم تركت الصوفية من آثار في حياتنا..
وهذا ليس سؤالا..!
ربما تركت حتى في أقلنا تدينا ذلك الشعور بوجود صفات الله في كل ما حولنا..
ولأمر ما.. ما زلنا كلما رأينا جمالا.. أو مصدر فزع.. أو باعث دهشة.. أو مثار عجب.. قلنا بصوت واحد:
الله…!!!

أحمد فيصل
10 مارس 2006

نشرت لأول مرة في منتديات عبد الرحمن يوسف على حلقات بداية من ٨ فبراير ٢٠٠٦ -كان عاما مجيدا..!! – وانتهاءً بالتاريخ السابق.. ونشرت مسروقة بعد ذلك في منتديات أخرى دون الإشارة إلى كاتبها أو مع نسبتها إلى آخرين…!!

الصوفية… الشعر.. العشق… والنضال..! -٥-


أسطورة الحلول والاتحاد.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: جعل الله الرحمة مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءا وأنزل في الأرض جزءاً واحدا فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه.. “رواه البخاري”

وهو قول ينبغي علينا التفكر فيه…

فالله لم يخبرنا بكل شيء، كلنا يعرف هذا..! ويطلق على ما لم يخبرنا به اسم “غيب”..

ومن الغيب ما اختص به الله بعض عباده.. ومن الغيب ما اختص به نفسه ولم يعلمه مخلوق.. كميقات القيامة مثلا…

وهناك ما لم يخبرنا به لكنه في نفس الوقت ليس غيبا..! ثم أمرنا بالتأمل والتفكر في ملكوت السماوات والأرض لكي ندركه..

فليست الرحمة هي الوحيدة من صفات الله التي قسمها بينه وبين عباده.. فنحن نجد الله بصفاته (نقول بصفاته لا بذاته و”من غير تشبيه ولا تمثيل” كما يردد ابن عربي بلا ملل.. غالبا لعلمه أي عقلية يخاطب..!!) في كل شيء.. نجد الجمال، والجبروت، والعزة، والكرم، والنفع، والضرر،…. قد فرقت بين الخلائق.. ونستطيع أن نقول دون أن نتهم بالتجديف أنها قد فرقت بنفس النسبة.. تسعة وتسعين جزءا لله وجزءا واحدا قد نزل في الأرض..

اسمع لقول ابن عربي:

– ” الله لا يُحب في الموجودات غيره.. فهو الظاهر في كل محبوب لعين كل محب، وما في الموجود إلا المحب.. فالعالم كله محب ومحبوب، وكل ذلك راجع إليه.. كما أنه لم يعبد سواه.. فإنه ما عبد من عبد إلا بتخيل الإلوهية فيه ولولاها ما عبد..! يقول تعالى ” وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه “.

وكذلك الحب ما أحب أحد غير خالقه، ولكن احتجب عنه تعالى بحب زينب وسعاد وهند وليلى والدينار والدرهم والجاه وكل محبوب في العالم.. فأفنت الشعراء كلامها في الموجودات وهم لا يعلمون..! والعارفون لم يسمعوا شعراً ولا لغزاً ولا مديحاً ولا تغزلاً إلا فيه من خلف حجاب الصور.. وسبب ذلك الغيرة الإلهية أن يحب سواه؛ فإن الحب سببه الجمال وهو له (أي لله) لأن الجمال محبوب لذاته والله جميل يحب الجمال فيحب نفسه وسببه الآخر الإحسان وما ثم إحسان إلا من الله ولا محسن إلا الله فإن أحببت للإحسان فما أحببت إلا الله فإنه المحسن وإن أحببت للجمال فما أحببت إلا الله تعالى فإنه الجميل فعلى كل وجه ما متعلق المحبة إلا الله”

فالعارفون لما أحبوا خالق الأكوان لم يروا غيره فيها.. ورأوا الموجودات مرايا تنعكس عليها الأسماء والصفات الإلهية…

والمحجوبون (الذين لا يعيشون بقلوبهم..!) إن رأوا رحمة فلان ينسبونها إليه.. بينما العارفون ينسبونها إلى الله.. فهي من ذلك الجزء الذي أنزله الله في الأرض..

النبي نفسه فعل ذلك..

قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي فإذا امرأة من السبي تبتغي إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:” أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار..؟” قلنا لا والله وهي تقدر على أن لا تطرحه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لله أرحم بعباده من هذه بولدها ”

رأى صلى الله عليه وسلم هذا الموقف بعين قلبه.. تلك العين التي تراقب الله أينما نظرت..

هذا هو الحلول.. حلول الصفات لا الذات.. واتحاد الموجودات في الله لا اتحاد الله في الموجودات.. صفات مشتركة لله كمالها وللناس نقصانها.. وما الكون كله إلا عرض مستمر لصفات الله…

فإذا كان الصوفية يرون أن لا موجود بحق إلا الله.. فيصير إذن كل ما يتهمون به من الحلول والاتحاد فرية لا دليل عليها.. ففي من يحل الله أو بمن يتحد إذا لم يكن هناك موجود حقيقي غيره…؟؟

نحن لا نرجح كلامهم أو ننفيه إذ لربما ثبت لنا صحته بعد إعمال العقل.. لكن لا يعقل ممن يؤمن بهذا أن يؤمن بذاك في نفس الوقت…

وعلى كل وجه.. يمتنع إيمان أي مسلم عامة والصوفية خاصة بفكرة الحلول والاتحادبمفهومها الوثني القائل بتجسد الله في المخلوقات أو فناء ذات المخلوق في ذات الخالق.. كما يشيع بعض المغرضين.

الصوفية… الشعر.. العشق… والنضال..! -٤-


عن السر

قال أبو هريرة : «حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعاءين : أما أحدهما ، فبثثته ، وأما الآخر ، فلو بثثته قطع هذا البلعوم» (أخرجه البخاري)

تخيل أنت…
أبو هريرة.. الصحابي الجليل.. يخشى من قتل المسلمين له إن هو روى كلاما عن النبي…؟؟!!
لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون ذلك “الوعاء” الذي كتمه من الشريعة.. فلو كان كذلك لكان كتمه حراما بالقطع.. فهو إذن علم آخر أعطاه النبي للخاصة..
وكان عبد الله بن العباس يقول في قوله عز وجلّ ” الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهنّ يتنزل الأمر بينهن” : لو ذكرت تفسيره لرجمتموني. وفي رواية: لقلتم إني كافر…
هناك إذن ما يجب إخفاؤه وعدم كشفه للعامة.. فكل محاولات كشفه غالبا ما انتهت نهايات مأساوية..
وهو ليس من الشريعة كما قلنا…
*****
وصل- عن السر..

هذا الجزء تحديدا هو أقرب الأجزاء إلى موضوعنا الأصلي (الذي بات بعيدا جدا فيما يبدو) وهو الشعر الصوفي..
فهو متعلق بأكبر خاصية أسلوبية تملكت هذا الشعر.. ونعني بها الرمز.. بل إنهم أول من فتح طريق الأدب الرمزي في الأدب العربي..

دقت معاني الحب عن أفهامهم

فتـــأولـــوهـــا أقــبــح التــأويل..!

هل يكون ابن الخطيب محقا…؟
لنر ذلك..
*****

لا يصح أن نفهم أقوال الصوفية وأشعارها على ظاهر لفظها.. فمن يفعل هذا يخطئ مرتين:
1- لأنه فهم أقوالهم على غير مرادهم.. وحمل المجاز على الحقيقة.. فصار كمن أدرك قولهم”فلان أسد” على أن فلانا هذا أسد حقيقي يزأر ويفترس…!
ويصير هذا الخطأ مركبا إذا ما أسس عليه أحكاما بكفر أو زندقة شخص ما كما حدث مع السهروردي والحلاج وغيرهم.. في عصر كانت فيه الزندقة تهمة لا صلة لها بالكفر بل بما نعرفه الآن بتهمة قلب نظام الحكم.. والأئمة لعبة في أيدي الحكام إلا من عصم الله…
فعاقبوهم على أقول ظاهرها الكفر وحقيقتها لا تخالف الشريعة أبدا..
2- ولأنه خالف المنهج العلمي في البحث – إن كان قد سمع عنه أصلا – والذي يقضي بأنه: عند دراسة علم أو فن ما لابد أن تدرس مصطلحات هذا لعلم جيدا بحسب المعاني التي يقررها أصحاب ذلك العلم لتلك المصطلحات..
وهذا المبدأ لم يستحدث مع نشأة علم الذرة مثلا.. بل هو قديم جدا..
هو مبدأ “لغة أهل الحرفة” كما تقول الدكتورةحسنه عبد السميع أو التوقيف على الاصطلاح كما يقول ابن عربي
“..ما من طائفة تحمل علماً من المنطقيين والنحاة وأهل الهندسة والحساب والتعليم والمتكلمين والفلاسفة إلا ولهم اصطلاح لا يعلمه الدخيل فيهم إلا بتوقيف من الشيخ أو من أهله.. لابد من ذلك..”
فعلا.. لا بد من ذلك..
فلا يصح حمل مصطلحات الصوفية على غير المعنى الذي قرروه لها.. فقد روي عن كل واحد منهم تقريبا مرة أو أكثر إنه لا يقصد ظاهر اللفظ… فحملوا أنفسهم تبعة غبائنا نحن…!
كل ما أذكره مما جرى

ذكره، أو مثله إن تفهما

منه أنوار وأسرار جلت

أو علت، جاء بها رب السما

لفؤادي.. أو فؤاد من له

مثل حالي.. من شروط العُلَمَا

صفة قدسية علوية

أعلمت أن لصدقي قدما..؟

فاصرف الخاطر عن ظاهره

واطلب الباطن حتى تعلما..!

كله كذلك.. وإن كان غزلا حسيا أو حبا جسديا أو أسماء لنساء أو خمرا وشراب أو حتى غلاميات..

الرمز.. والسر…!
لماذا يستعمل الصوفية الرمز أصلا…؟
ولماذا لا يؤثرون المباشرة..؟
يجيبك السهروردي الذي قتل بالتهمة التي يحذر منها…! ولا عجب فهي كانت تهمة موجهة للعقول الحرة أكثر منها للعقول الكافرة..!!:

أهل الهوى قسمان: قسم منهمو

كتموا وقسم بالمحبة باحوا

فالبائحون بسرهم شربوا الهوى

صرفا، فهزمهم الغرام فباحوا

والكاتمون لسرهم شربوا الهوى

ممزوجة فحمتهم الأقداح

بالسر إن باحوا تباح دماؤهم

وكذا دماء البائحين تباح

وإذا هم كتموا تحدث عنهم

عند الوشاة المدمع السفاح

وبدت شواهد للسقام عليهم

فيها لمشكل أمرهم أيضاح

وهذه مقدمة فقط.. فقد أكثر الصوفية إلى حد غير عادي من ذكر “السر” وأهميته وأهمية حفظه…
من لم يصن سر مولاه وسيده

لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا

وعاقبوه على ما كان من زلل

وأبدلوه مكان الأنس إيحاشا…!

يا إلهي..
وأبدلوه مكان الأنس إيحاشا.. يا له من عقاب..
وقاكم الله شر الوحشة بعد بلوغ الأنس..

وقال علي بن الحسين بن على هذين البيتين (أو تمثل بهما)
يا رب جوهر علم لو أبوح به

لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا

ولاستحل رجال مسلمون دمي

يرون أقبح ما يأتونه حسنا..!

وقال فيهما ابن عربي:
(فنبه بقوله يعبد الوثنا على مقصوده ينظر إليه تأويل قوله صلى الله عليه وسلم إن الله خلق آدم على صورته بإعادة الضمير على الله تعالى..
وهو من بعض محتملاته، بالله يا أخي انصفني فيما أقوله لك..!
لا شك إنك قد أجمعت معي على أنه: ” كل ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأخبار في كل ما وصف به فيها ربه تعالى من الفرح والضحك والتعجب والتبشبش والغضب والتردد والكراهة والمحبة والشوق إن ذلك وأمثاله يجب الإيمان به والتصديق..”
فلو هبت نفحات من هذه الحضرة الإلهية كشفاً وتجلياً وتعريفاً إلهياً على قلوب الأولياء بحيث أن يعلموا بإعلام الله وشاهدوا بإشهاد الله من هذه الأمور المعبر عنها بهذه الألفاظ على لسان الرسول – وقد وقع الإيمان مني ومنك بهذا كله – إذا أتى بمثله هذا الوليّ في حق الله تعالى ألست تزندقه كما قال الجنيد..؟!
ألست تقول: “إن هذا مشبه..!”
“هذا عابد وثن..!”
“..كيف وصف الحق بما وصف به المخلوق..؟!”
“ما فعلت عبدة الأوثان أكثر من هذا..!” – كما قال علي بن الحسين(يعني في البيتين السابقين) – ألست كنت تقتله أو تفتي بقتله – كما قال ابن عباس -..؟!
فبأيّ شيء آمنت وسلمت لما سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق الله من الأمور التي تحيلها الأدلة العقلية، ومنعت من تأويلها – والأشعري تأولها على وجوه من التنزيه في زعمه – فأين الإنصاف..؟
فهلا قلت: ” القدرة واسعة أن تعطي لهذا الوليّ ما أعطت للنبيّ من علوم الأسرار..” فإن ذلك ليس من خصائص النبوّة ولا حجر الشارع على أمّته هذا الباب ولا تكلم فيه بشيء…”)

لا تغب عن نظري صديقي القارئ..!
فواضح إننا كلما أوغلنا في ذلك.. كلما تبينت لنا ضخامة السر..

قال ابن عربي: ” وهذا الفن من الكشف والعلم يجب ستره عن أكثر الخلق لما فيه من العلو فغوره بعيد والدلف إليه قريب…”
وكان الحسن البصري إذا تكلم في مثل هذه الأسرار – التي لا ينبغي لمن ليس من طريقها أن يقف عليها ويعرفها – جمع خاصته وأغلق بابه دون الناس..

فواضح أن هذا العلم اللدني أو السر يحتاج إلى ٍSystem requirements – متطلبات نظام – شبيهة بتلك التي عند الكمبيوتر.. هي تعتمد على “الذوق” الذي لا يتوافر عند أغلب الناس ممن يوقفون عقولهم على قشور الكلام دون معانيه.. تعتمد على التأمل.. تعتمد على إيمان القلب لا إيمان شهادة الميلاد.. تعتمد على حسن الظن بالله وبالناس…

لكن السر كما هو معروف قنبلة في الصدر توشك أن تزهق روح صاحبها وإن لم تنفجر…
لهذا لجأ الصوفية إلى “الرمز” في كشفهم الإيحائي عن السر…
وقد يلتبس الأمر على من لا يعرف الصوفية، كما حدث مع بعض المستشرقين عندما ظنوا أن “ابن الفارض” عندما استعمل ضمير المذكر في إحدى غزلياته أنه قد عشق غلاما..! وكذلك حافظ الشيرازي.. لأنهم لم يعرفوا غالبا أن العرب قد عرفوا هذا النوع من الفن الرمزي…
الكنايات.. والاستعارات.. يكنون بعشق هند والمراد سوى هند.. لا عيب ولا حرام..! لا يشبهون الله بالمرأة بل حبه بحبها.. وما حبها بقطرة في محيط حبه لو يعلمون..
ونمثل لهذا عند حديثنا – فيما بعد – عن نماذج الشعر الصوفي..

الصوفية… الشعر.. العشق… والنضال..! -٣-


عن العلم اللدني.. والسر.. والشطحات.. والحلول والاتحاد وسائر “مطاعن” الصوفية..!!!

بداية – عن العلم اللدني..

تحدثت من قبل عن العلم اللدني أو الفيوضات الإلهية على من يختصه الله من عباده…
لنناقش الآن حقيقة وجوده… فإن سألت ما الدليل على وجوده أقول لك أن هذا ليس بسؤال..
إنما السؤال هو ما الدليل على عدمه لا على وجوده..؟ لنضرب على ذلك مثالا دنيويا تافها..
يقول الدستور المصري (مادة 63): لكل فرد حق مخاطبة السلطات العامة كتابة وبتوقيعه، ولا تكون مخاطبة السلطات العامة باسم الجماعات الا للهيئات النظامية والأشخاص الاعتبارية….
أي أنه يتاح لأي فرد أن يخاطب السلطات.. كما أنه متاح للسلطات أن تخاطبنا…
ما وجه الشبه أو الصلة..؟ طبعا لا وجه للشبه.. لكن هناك وجه للصلة…
تقول أحد أكثر دعاوي الإلحاد وجاهة – الوجاهة النسبية طبعا – في أوروبا، أن الله خلق العالم ثم تخلى عنه…
وهذا كما نعرف لم يحدث..
انقطعت النبوة.. لكن لم ينقطع التنزيل كما نقلت سابقا عن ابن عربي..
ما زال الناس يخاطبون الله.. ويدعونه طالبين أو خائفين.. وما زال الرسول يظهر في المنام وهو لا يظهر إلا حقا كما قال صلى الله عليه وسلم..
بل – والأهم من ذلك – ما زلنا نستخير الله…!
والاستخارة هي طلب الخيار.. أو أننا نطلب من الله أن يختار لنا حين نعجز نحن..
يا رب أين السبيل…؟ هذا سؤال..
فيأتي وحي أو إلهام أو تذليل طريق أو أي إشارة ربانية أخرى.. وهذا جواب…
أسئلة وأجوبة وأدعية ورؤى وغير ذلك.. كلها دلائل على أن ما بين المؤمنين وبين السماء لن ينقطع إلى يوم الساعة.. بل ولا حتى بعد قيام الساعة..!!
والأيات والأحاديث القدسية والنبوية تزخر بالحوارات بين الله عز وجل وبين أهل الجنة.. مقام الرضا الأعلى..
وما نسميه بالعلم اللدني موجود عند كل الناس… مؤمنين كانوا أم كافرين..
سلم البداية فيه بسيط جدا.. ربما يتوقف عنده البعض لا يتجاوزه.. وربما يصعده البعض حتى يصل لأعلى الدرجات التي لا تعلوها إلا النبوة..
سلم البداية هو وجود الله.. فلأمر ما، يعرف جميع البشر أن هناك “إلها”.. مؤمنا كان أو مشركا أو كافرا أو ملحدا..
يعزو البعض هذا إلى ما يعرف في القرآن بعالم “ألست بربكم”.. وفيه تفصيل كثير جدا.. يقول الطبري:
-“العهدُ الذي ذكره الله جل ذكره، هو العهدُ الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صُلب آدم، الذي وصفه في قوله: ” وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ) [سورة الأعراف: 172-173]. ونقضُهم ذلك، تركهم الوفاء به.”
هل لهذا تولد البشرية كلها عارفة بأن هناك إلها..؟ غالبا.. فكلها تعبد الله علمت أو لم تعلم.. شاءت أو لم تشأ.. وإنما تحاسب على قدر علمها واستجابتها للحق إن دعيت له…
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (الأعراف 15)
كلهم يسجدون لله.. فما عبد ما عبد إلا لاعتقاد معنى الألوهية فيه.. بعبارة أبسط أن الإنسان يولد بتلك المعلومة: الله موجود.. مما يولد عنده هذا السؤال: أين هو..؟ وربما لخصت حكاية إبراهيم عليه السلام سلوك البشرية كلها..!
فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) (الأنعام)
إنه يعرف مسبقا بوجود إله.. ويبحث عنه في جميع أشكال الطبيعة من حوله.. والسبب أنه بفطرته الصادقة قد استبشع جدا فكرة أن يصنع الإنسان إلهه بنفسه..
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74) ولم يصل في النهاية إلى الحقيقة.. لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ..
لكنه بالمساعدة الإلهية وحدها قد وصل إلى الحقيقة.. كان يبحث عن ربه.. فقال له الله أنا ربك.. إ”ِإذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ “(البقرة131)
كل هذه كتابات على الدرجة الأولى في سلم العلم.. درجة معرفة الله التي يبدأ الناس من عندها.. فمنهم من اختار التوقف عندها، ومنهم من قفز عن السلم تماما وأنكر العهد وهو يعرف بوجوده “قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ”…
وهناك من رقى في السلم حتى جاوز الأنبياء….!
وهذا حق.. لا ينكره إلا منكر لانتماء سورة الكهف إلى القرآن…
“فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67)” الكهف..
تأمل معي الصورة..
إنها رحلة يتبع فيها أحد الأنبياء أحد العباد.. لماذا..؟ ليتعلم منه.. النبي يتعلم من العبد..!! وهو النبي الذي لم يكن يعرف أن هناك في الناس من هو أعلم منه..” وما يدريك أين أضع علمي..؟” كما يقول الحديث…
وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا…
إن في أيام هذا العبد الصالح -ولأسمِهِ كما أسماه القرآن لا “الخضر” كما أسمته الروايات- كانت النبوة متصلة حتما.. بل أن عصرا كاملا من الأنبياء قد فصل بين موسى وعيسى..
لكن هل كان العبد الصالح منهم…؟
لا.. والقرآن ينفي هذا نفيا قاطعا.. بل هو عبد علمه الله من لدنه.. وبلغ من علمه أن سار وراءه نبي ليتعلم منه.. وليس كذلك فحسب..! بل إنه لم يستطع معه صبرا…!!!
النبوة انقطعت.. لأن آخر الأنبياء قد بعث فعلا…
لكن – وكما اتضح- نحن نتحدث عن موضوع آخر تماما…

******
سؤال آخر..
هل هناك من الدين ما لا يجب أن نعرفه…؟؟
معظم الإجابات – بل كلها – تقول “لا”…!
لماذا إذن قال أبو هريرة : «حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعاءين : أما أحدهما ، فبثثته ، وأما الآخر ، فلو بثثته قطع هذا البلعوم» (أخرجه البخاري)
ما الذي قاله الرسول لأبي هريرة…؟ وما خطورته علينا..؟ ولماذا نقتل أبا هريرة إن باح به..؟!
هل هناك من الدين ما لا يجب أن نعرفه…؟